الــــــــــتــــــــــــــوســــــــــــــــل

التوسّل

مقدّمة:

إن حقيقة التوسل قد رسم صورتها القرآن الكريم، حين قال الله سبحانه مخاطباً المؤمنين: (يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون)[1]. فإنّ هذه الآية الكريمة قد عدت التقوى والجهاد من الوسائل المشروعة التي بامكان الإنسان أن يتّخذها سبباً للوصول إليه سبحانه .

وهل توجد وسائل اُخرى قد ندبت إليها الشريعة، أم أنّ الأمر متروك للإنسان وباستطاعته أن يخترع وسائل اُخرى يتقرب بها إليه؟

من الواضح أن الوسائل التي يمكن أن يتقرب بها العبد الى الله سبحانه لا تخضع للاجتهاد، إذ القرب الى الله وطرق تحقق القرب تحتاج الى إرشاد إلهي، ومن هنا تصدت لبيانها الشريعة، فنصت عليها وحددتها في الكتاب والسنّة، وكل وسيلة سوى ما نصت عليها الشريعة بشكل خاص أو عام فهي ضرب من البدع والضلال.

وقد أشار الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) الى الوسائل التي يتقرب بها العبد إليه سبحانه، بقوله:

إن أفضل ما توسل به المتوسّلون الى الله سبحانه وتعالى، الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله، فإنه ذروة الإسلام، وكلمة الاخلاص فإنّها الفطرة، وإقام الصلاة فإنها الملّة، وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة، وصوم شهر رمضان فإنه جُنّة من العقاب، وحجُّ البيت واعتماره فإنهما ينفيان الفقر ويرحضان[2] الذنب. وصلة الرحم فإنها مثراة في المال، ومنسأة في الأجل، وصدقة السرُّ فإنها تكفّر الخطيئة، وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء وصنائع المعروف فإنها تقي مصارع الهوان[3].

وأرشد القرآن الكريم الى السيرة الحميدة والمطلوبة للمسلمين، فقال عزّ من قائل: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً)[4] ولا تنحصر هذه الممارسة الممدوحة بحال حياة الرسول(صلى الله عليه وآله) بين المسلمين، بعد أن قال الله تعالى : (ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربّهم يرزقون)[5] فهي إذاً عبادة سارية المفعول بعد وفاته(صلى الله عليه وآله)أيضاً وقد فهم المسلمون جواز ذلك ومارسوها بعد وفاته، كما ذهب إليه بعض المفسرين[6].

إذاً لا مانع من العلاقة مع الله وطلب غفران الذنوب منه، أو طلب نيل الحوائج الدينية والدنيوية عن طريق التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله)، ليستغفر لهم باعتبار قربه من الله وكونه وجيهاً عنده. وهذا طريق قد ندب إليه الشرع وعيّنه القرآن الكريم.

ولمزيد من التوضيح نتابع البحث في النقاط التالية:

أولاً: التوسل في اللغة والاصطلاح.

ثانياً: الآراء في حكم التوسل.

ثالثاً: جواز التوسل في القرآن.

رابعاً: التوسل في الأحاديث النبوية.

خامساً: التوسل في سيرة المسلمين.

سادساً: التوسل عند أهل البيت(عليهم السلام).

سابعاً: مناقشة المفكرين بجواز التوسل ومشروعيته.

أولاً: التوسّل في اللغة والاصطلاح:

جاء في لسان العرب: الوسيلة عند الملك. والوسيلة: الدرجة، والوسيلة: القربة، ووسل فلان الى الله وسيلةً إذا عمل عملاً تقرب به إليه. والواسل: الراغب الى الله، قال لبيد:

أرى الناس لا يدرون ما قدرُ أمرهم*** بلى كلُّ ذي رأي الى الله واسل

وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل، وتوسل إليه بكذا: تقرب إليه بحرمة آصرة تعطفه عليه. والوسيلة: الوصلة والقُربى، وجمعها الوسائل، قال الله تعالى: (اُولئك الذين يدعون يبتغون الى ربّهم الوسيلة أيُّهم أقرب)[7].

وسائر معاجم اللغة قد تناولت الوسيلة بشيء من التماثل، لأن معناها من المفاهيم الواضحة وحقيقتها لا تتجاوز اتخاذ شيء ذريعة الى أمر آخر يكون هو المقصود والمبتغى وهي تختلف حسب اختلاف المقاصد.

فمن ابتغى رضى الله سبحانه، يتوسل بالأعمال الصالحة التي بها يكتسب رضاه، ومن أراد زيارة بيت الله الحرام يتوسل بما يوصله إليها[8].

قال ابن كثير في التوسل : أن يجعل الإنسان واسطة بينه وبين الله ليقضي حاجته بسبب الواسطة[9].

ثانياً ـ الآراء في حكم التوسّل:

وقبل أن نتعرض الى أدلة التوسل ومشروعيته ثم مناقشتها يجدر بنا أن ننقل مجمل الآراء التي وردت بشأن التوسل جوازاً ومنعاً.

الرأي الأول: المنع من التوسّل

وقال به الألباني واعتبره من الضلال في كتابه (التوسل أنواعه، أحكامه) وقال في مقدمة (شرح الطحاوية)[10]: إن مسألة التوسل ليست من مسائل العقيدة.

ومن القائلين بالمنع محمد بن عبدالوهاب، حيث يقول: «إذا قال لك بعض المشركين (يعني المسلمين غير الوهابيين) (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)[11] أو أن الشفاعة حق، أو أن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلاماً للنبي يستدل به على باطله (يعني الشفاعة و...) وأنت لا تفهم، (أي لا تقدر على جوابه) فجاوبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه»[12].

ومن القائلين بالمنع عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، حيث يقول:

«من سأل النبي وطلب منه الشفاعة فقد نقض إسلامه»[13].

الرأي الثاني: القول بالجواز

وذهب إليه الشوكاني الزيدي فقد أجاز التوسل في كتابه «تحفة الذاكرين» بقوله: «ويتوسل الى الله سبحانه بأنبيائه والصالحين»[14].

وأجازه السمهودي الشافعي، حيث قال: «قد يكون التوسل به(صلى الله عليه وآله) بطلب ذلك الأمر منه، بمعنى أنه(صلى الله عليه وآله)قادر على التسبب فيه بسؤاله وشفاعته الى ربّه، فيعود الى طلب دعائه وإن اختلفت العبارة. ومنه قول القائل له أسألك مرافقتك في الجنّة... ولا يقصد به إلاّ كونه(صلى الله عليه وآله) سبباً وشافعاً»[15].

ونقل ابن تيمية عن أحمد بن حنبل في (منسك المروزي) التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله) والدعاء عنده. ونقل ذلك أيضاً عن ابن أبي الدنيا والبيهقي والطبراني بطرق عديدة شهد لها بالصحة[16].

ومن القائلين بالجواز، الإمام الشافعي، فقد قال: «إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء الى قبره كل يوم، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت الى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد أن تقضى»[17].

فمن القائلين بالجواز: أبو علي الخلال شيخ الحنابلة، حيث قال: «ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر(عليه السلام)، فتوسلت به إلاّ سهّل الله تعالى لي ما أحب»[18].

أما الشيعة الإمامية فقد قالوا: يجوز التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله)، والأئمة(عليهم السلام)، في قضاء الحوائج وتفريج الكرب بعد موتهم، كما يجوز حال حياتهم، لعدم كون ذلك من خطاب المعدوم أوّلاً، ولا كونه شركاً ثانياً[19].

الرأي الثالث: التفصيل بين أنواع التوسل

وهذا الرأي لابن تيمية لكنّنا نجده في مسألة التوسل مضطرب الرأي، فهو بين النكران مرّة والجواز اُخرى والتقسيم ثالثة. ففي معرض تقسيمه لصور التوسل قد أباح اثنتين وحرّم الثالثة. قال: لفظ التوسل يُراد به ثلاثة معان:

أحدها: التوسل بطاعة النبيّ والإيمان به. وهذا هو أصل الإيمان والإسلام ومن أنكره، فكفره ظاهر للخاصة والعامة.

والثاني : التوسل بدعائه وشفاعته ـ أي أن النبيّ هنا هو الذي يدعو ويشفع مباشرة ـ وهذا كان في حياته، ويكون يوم القيامة يتوسّلون بشفاعته. ومن أنكر هذا فهو كافر مرتدّ يُستتاب، فإن تاب وإلاّ قُتل مرتداً.

والثالث: التوسل بشفاعته بعد موته، والإقسام على الله بذاته وهذا من البدع المُحدثة»[20] .

ثالثاً: جواز التوسّل في القرآن الكريم

أقرّ الأنبياء والصالحون حقيقة التوسل كعبادة مشروعة لا غبار عليها، وقد نقل لنا القرآن الكريم الكثير من الموارد التي توسل فيها الناس بالأنبياء والأولياء تقرّباً الى الله تعالى; وكانت تتحقق فيما بعد دعواتهم وتستجاب طلباتهم . فمن هذه الموارد المنصوص عليها في الكتاب الكريم:

أ ـ قال تعالى: (واُبرئ الأكمه والأبرص واُحيي الموتى بإذن الله)[21].

هنا نجد الناس قد توسلوا بعيسى(عليه السلام)، لكن هذا التوسل لم يكن ناشئاً من اعتقادهم بأن لعيسى قدرة غير القدرة الإلهية، وإنما كان ناشئاً من إيمانهم، بأن لعيسى قدرة تمكنه من شفاء المرضى بإذن الله، لكونه وجيهاً عند الله، فهذا لا يُعد شركاً; إذ الشرك هو اعتقاد قدرة مستقلة عن قدرة الله لعيسى(عليه السلام)،وهذا لا يقول به أحد من المسلمين.

ب ـ قال تعالى: (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا)[22].

إنّ أبناء يعقوب لم يطلبوا المغفرة من يعقوب بمعزل عن القدرة الإلهية، وإنما جعلوا يعقوب(عليه السلام)واسطة في طلب المغفرة بسبب كونه مقرباً وذا جاه عنده سبحانه. وهذا واضح من خلال جواب يعقوب لابنائه (قال سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم)[23].

ج ـ قال تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً)[24].

وتشير الآية الى مقبولية استغفار رسول الله(صلى الله عليه وآله)للمسلمين التائبين لأن لرسول الله(صلى الله عليه وآله)جاهاً عظيماً عند الله سبحانه.

وتؤكد في الوقت نفسه أهمية مجيئ أبناء الأمة المسلمة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) من أجل طلب المغفرة لهم[25].

صورة التوسّل كما يرسمها القرآن الكريم[26]

حثّ الله سبحانه في القرآن الكريم عباده المؤمنين على التوسل، وأجاز التوسّل بأشكال مختلفة، وفيما يلي نورد صورة مجملة لأنواع التوسل المشروع في القرآن الكريم:

أ ـ التوسّل بأسماء الله سبحانه وتعالى

قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون)[27].

والآية تصف أسماء الله كلها بالحسنى من غير فرق، ثم تأمر بالدعاء عن طريقها.

فعندما يذكر العبد أسماءه التي تضمنت كل الخير والجمال والرحمة والمغفرة والعزّة ثم يتقدم العبد نحو الله بطلب المغفرة من الذنوب وقضاء الحوائج، يستجيب سبحانه لدعوة المتوسل بأسمائه.

ب ـ التوسّل بالأعمال الصالحة

فإنّ العمل الصالح يُعد من الوسائل المشروعة التي يتقرب بواسطتها العبد الى الله سبحانه، فلما كان التوسل يعني تقديم شيء ما لساحة الربّ من أجل نيل رضاه، فلاشك أن العمل الصالح يعتبر من أفضل الوسائل التي يتمسك بها العبد لغرض تحقيق حوائجه، قال تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السميع العليم* ربّنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيتنا اُمّة مسلمة لك وأرِنا مناسكنا وتب علينا إنّك أنت التواب الرحيم)[28].

والآية هنا تؤكد الصلة بين العمل الصالح ـ وهو بناء البيت ـ والدعاء الذي كان يرغب في تحققه النبي إبراهيم(عليه السلام) ـ وهو قبول الأعمال الصالحة ـ وأن تكون من ذرّيته اُمّة مسلمة.

كما يؤكد قوله تعالى: (الذين يقولون ربّنا إننا آمنّا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار)[29].

فترى أنه عطف طلب الغفران بالفاء، على قوله: (ربّنا إنّنا آمنّا) ففاء التفريع تعرب عن الصلة بين الإيمان وطلب الغفران.

ج ـ التوسّل بدعاء الرسول

أشار القرآن الكريم الى مكانة الرسول(صلى الله عليه وآله) وعظمته وقيمته عند الله سبحانه، والفرق بينه وبين باقي الناس، بقوله: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)[30].

وأشار القرآن الكريم أيضاً الى أن الرسول(صلى الله عليه وآله) هو أحد الأمانين في الأرض، بقوله: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)[31].

ثم نجد القرآن في أكثر من موضع يقرن ذكره سبحانه باسم الرسول(صلى الله عليه وآله) وينسب اليهما فعلاً واحداً، فيقول: (وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون الى عالم الغيب والشهادة)[32] ويقول: (وما نقموا إلاّ أن أغناهم الله ورسوله من فضله)[33] الى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها اسم الرسول مقروناً باسم الله سبحانه، فإذا كانت هذه منزلة الرسول(صلى الله عليه وآله) عند الله فلا يرد دعاؤه وتستجاب دعوته، والمتمسك بدعائه يكون متمسكاً بركن وثيق.

ولذا نجد الله سبحانه يأمر المذنبين من المسلمين بالتمسك بدعائه ويستغفروا الله في مجلسه، ويسألونه أن يستغفر لهم أيضاً ليكون استغفاره لهم سبباً لنزول رحمته وقبول توبتهم، قال سبحانه: (وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً)[34].

وفي هذا المعنى قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدّون وهم مستكبرون)[35].

د ـ التوسل بدعاء الأخ المؤمن

قال تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ربّنا إنك رؤوف رحيم)[36].

إذ تدل الآية الكريمة على أن المؤمنين اللاحقين يستغفرون للسابقين من اخوتهم، وهذا يدل على أن دعاء الأخ في حق أخيه أمر مرغوب فيه ومستجاب.

هـ ـ التوسل بالأنبياء والصالحين أنفسهم

وهذا القسم غير القسم السابق الذي هو التوسل بدعاء الرسول، وإنّما هو التوسل بذوات الأنبياء والصالحين وجعلهم وسيلة لاستجابة الدعاء والتنويه بما لهم من المقام والمنزلة عند الله سبحانه.

فإذا كنا قد توسلنا بدعاء الرسول عند الله كوسيلة إليه. ففي هذا القسم نجعل نفس الرسول وكرامته وسيلة الى الربّ تعالى . ومن المعلوم أن الوسيلة هي الدعاء النابع من تلك الشخصية التي كرّمها الله وعظّمها ورفع مقامها كما في قوله تعالى:

(ورفعنا لك ذكرك)[37].

وأمر المسلمين بتكريمه وتعزيره، حيث قال: (فالّذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النور الذي أنزل معه اُولئك هم المفلحون)[38].

فإذا كان رصيد استجابة الدعاء هو شخصيته الفذّة المثالية ومنزلته عند الله، فالأولى أن يتوسل بها الإنسان كما يتوسل بدعائه، فمن اعترف بجواز الأول ومنع عن الثاني فقد فرق بين أمرين متلازمين.

وهذا النوع من التوسل يدعمه ما ورد في السنّة النبوية مروياً عن طريق صحيح أقرّ به الأقطاب من أهل الحديث[39].

و ـ التوسل بحق الصالحين وحرمتهم ومنزلتهم

فإن المتتبع لسيرة المسلمين سيجدها حافلة بهذا النوع من التوسل، أي إنهم يتوسلون بمنازل الصالحين وحرمتهم عند الله وحقّهم عليه.

روى مسلم عن معاذ بن جبل(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم»[40].

فتحصل أن القرآن الكريم نقل لنا سيرة الأنبياء والصالحين من عباده في التوسل، ثم طرح لنا عدداً من أنواعه المشروعة، وكونه لا يختص بالدعاء فقط، ليفرق بين ذات النبي ودعائه، بل يشمل ذات النبي أيضاً.

رابعاً: التوسّل في الأحاديث النبويّة الشريفة

وردت عدة أحاديث تدل على جواز التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله)أو بالأولياء الصالحين.

1 ـ عن عثمان بن حنيف أنه قال: إن رجلاً ضريراً أتى النبي(صلى الله عليه وآله)فقال: ادعُ الله لي أن يُعافيني.

فقال(صلى الله عليه وآله): إن شئت أخرت لك وهو خير، وان شئت دعوت. فقال: ادْعُه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء : «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمّد نبي الرحمة. يا محمّد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقضى . اللهم فشفّعه فيَّ»[41].

وهذا الحديث لا اشكال في صحته حتى أنّ ابن تيمية اعتبره صحيحاً وقال: بأن المقصود من أبي جعفر الموجود في سند الحديث هو أبو جعفر الخطمي وهو ثقة.

أما الرفاعي فيقول: لاشك أن هذا الحديث صحيح ومشهور، وقد ثبت فيه ـ بلا شك ولا ريب ـ ارتداد بصر الأعمى بدعاء رسول الله[42].

وقد أورد هذا الحديث النسائي والبيهقي والطبراني والترمذي والحاكم في مستدركه[43].

وبهذا الحديث تتأكد شرعية التوسل، حيث نجد رسول الله(صلى الله عليه وآله)قد علّم الرجل الضرير كيف يتوسل الى الله بنبيه نبي الرحمة، ويشفّعه لقضاء حاجته، والمقصود بالنبي هو نفس النبي لا دعاؤه، والتوجه الى الله بجاه النبي ووسيلته.

2 ـ روى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال: من خرج من بيته الى الصلاة فقال: اللّهم إني اسألك بحق السائلين عليك، واسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج اشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سُمعة، خرجتُ اتقاء سَخَطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»، أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك[44].

إنّ هذا الحديث يدل على جواز التوسل الى الله بحرمة أوليائه الصالحين، ومنزلتهم ووجاهتهم عنده سبحانه، فيجعل اُولئك وسطاء وشفعاء لقضاء حاجته واستجابة دعائه.

3 ـ عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد دخل عليها رسول الله(صلى الله عليه وآله) فجلس عند رأسها فقال: «رحمك الله يا اُمي بعد اُمي. وذكر ثناءه عليها وتكفينها ببرده، ثم دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله) اُسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود لحفر القبر، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله(صلى الله عليه وآله) بيده، وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله)فاضطجع فيه، ثم قال: الله الذي يُحيي ويُميت وهو حيٌّ لا يموت، اغفر لاُمي فاطمة بنت أسد، ووسع عليها مدخلها، بحق نبيّك والأنبياء الذين من قبلي»[45].

4 ـ روي أن سواد بن قارب أنشدَ لرسول الله(صلى الله عليه وآله)قصيدته التي يتوسل فيها بالنبي وفيها يقول:

وأشهد أن الله لا ربّ غيرهُ***وأنك مأمون على كلّ غائبِ

وانك أدنى المرسلين وسيلة***الى الله يابن الأكرمين الأطائبِ

فمرنا بما يأتيك يا خير مُرسل***وإن كان فيما فيه شَيبُ الذوائبِ

وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة***سواك بمغن عن سواد بن قاربِ[46]

خامساً: التوسّل في سيرة المسلمين

لقد جرت سيرة المسلمين أثناء حياة الرسول(صلى الله عليه وآله) وبعد مماته على التوسل بالرسول(صلى الله عليه وآله)وبأولياء الله والاستشفاع بمنزلتهم عنده وفيما يلي نماذج من تلك السيرة:

أ ـ إن أبا بكر بعدما توفي رسول الله، قال: (اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن في بالك)[47].

ب ـ قال الحافظ أبو عبدالله محمد بن موسى النعماني في كتابه مصباح الظلام: إن الحافظ أبا سعيد السمعاني ذكر فيما روينا عنه عن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، أنه قال: «قدم علينا اعرابي بعدما دفنّا رسول الله(صلى الله عليه وآله)بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي(صلى الله عليه وآله) وحثا من ترابه على رأسه، وقال: يا رسول الله، قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله سبحانه ووعينا عنك، وكان فيما أنزل (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسم جاءوك فاستغفروا الله...) وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر: إنه قد غفر لك»[48].

ج ـ كان رسول الله قد علّم رجلاً أن يدعو فيسأل الله ثم يخاطب النبيّ فيتوسل به ثم يسأل الله قبول شفاعته، فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيّك نبي الرحمة «يا محمد يا رسول الله إنّي أتوسل بك الى ربّي في حاجتي لتقضى لي، اللهم فشفّعه فيّ»[49].

د ـ جاء في صحيح البخاري ان عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب(رضي الله عنه) وقال: اللهم كنا نتوسل اليك بنبيّنا فَتُسقينا، وإنا نتوسل اليك بعم نبيّنا فاسقنا. قال: فيُسقون[50].

هـ ـ سأل المنصور العباسي مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ عن كيفية زيارة رسول الله(صلى الله عليه وآله)والتوسل به... فقال لمالك:

«يا أبا عبدالله أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله؟ فقال مالك في جوابه: لِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم الى يوم القيامة؟! بل استقبله واستشفع به فيُشفّعك الله، قال الله تعالى: (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم...)[51].

و ـ قال الشافعي هذين البيتين من شعره متوسلاً بآل الرسول(صلى الله عليه وآله):

آل النبي ذريعتي*** وهم اليه وسيلتي

أرجو بهم اُعطى غداً***بيدي اليمين صحيفتي[52]

من خلال الأدلة والبراهين والشواهد التاريخية، سابقة الذكر يمكن القول : بأن الأنبياء والصالحين من عباده يعدون من الوسائل المشروعة التي عناها الله تعالى بقوله: (يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)[53]. والوسيلة هنا تشمل المستحبات ولا تنحصر في أداء الواجبات واجتناب المحرمات.

سادساً: التوسّل عند أهل البيت(عليهم السلام)

إن ائمة أهل البيت(عليهم السلام) قد حثّوا كثيراً على التوسل بالقرآن وبأولياء الله وغيرهما، ومن راجع كتب الإمامية وجوامعهم الحديثية وكتب الأدعية عندهم يجده أمراً واضحاً وجلياً بحيث لا يمكن التشكيك فيه، وإليك نماذج منها:

أ ـ روى الحارث بن المغيرة قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام)يقول: «إياكم إذا أراد أن يسأل أحدكم ربه شيئاً من حوائج الدنيا حتى يبدأ بالثناء على الله عزّ وجلّ والمدحة له والصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله) ثم يسأل الله حوائجه»[54].

ب ـ عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قال جابر الأنصاري: قلت لرسول الله(صلى الله عليه وآله): ما تقول في علي بن أبي طالب؟ فقال: ذلك نفسي، قلت: فما تقول في الحسن والحسين؟ قال : هما روحي، وفاطمة أُمّهما ابنتي يسوؤني ما ساءها ويسرّني ما سرّها، اُشهد الله أني حرب لمن حاربهم، سلم لمن سالمهم، يا جابر إذا أردت أن تدعو الله فيستجيب لك فادعه بأسمائهم فإنها أحب الأسماء الى الله عزّ وجلّ.

ج ـ عن النبي(صلى الله عليه وآله) : «اللّهم إني أتوجه إليك بمحمد وآل محمد وأتقرب بهم إليك وأقدمهم بين يدي حوائجي»[55].

د ـ وكان الإمام علي أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول في دعائه :

«... بحقّ محمد وآل محمد عليك، وبحقّك العظيم عليهم أن تُصلّي عليهم كما أنت أهله وأن تعطيني أفضل ما أعطيت السائلين من عبادك الماضين من المؤمنين، وأفضل ما تعطي الباقين من المؤمنين»[56].

هـ ـ وقال الإمام أبو عبدالله الحسين(عليه السلام) في دعاء عرفة:

«... اللهم إنّا نتوجّه إليك ـ في هذه العشية التي فرضتها وعظّمتها ـ بمحمد نبيّك ورسولك وخيرتك من خلقك»[57].

و ـ وقال الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه بمناسبة حلول شهر رمضان:

«... اللهم اني أسألك بحقّ هذا الشهر وبحقّ مَن تعبّد فيه ـ من ابتدائه إلى وقت فنائه ـ من ملك قربته أو نبي أرسلته أو عبد صالح اختصصته...»[58].

سابعاً: مناقشة المنكرين لجواز التوسّل ومشروعيّته

قيل: لا يمكن التوسل بالموتى، وهذا عمل قبيح عقلاً، لعدم قدرة الميت على الإجابة، والتوسل به خطاب للمعدوم[59].

إنّ هذا الادّعاء مردود ومعارض للقرآن الكريم، وإليك نماذج من الآيات القرآنية التي تنفي كون الموت من العدم.

1 ـ مثل قوله تعالى: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيّا)[60].

وهذه الطائفة نازلة في حق المؤمنين، إذ تبيّن نوع الرعاية لهم في الدنيا والآخرة.

2 ـ وأصرح منها، قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدوّاً وعشيّاً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب)[61] حيث يبيّن الله تعالى ما يجده من العصاة والكفار من العذاب في الحياة البرزخية، مما يدل على كونهم أحياء بعد الموت وقبل يوم القيامة. فإنّ قيام الساعة قد ذكر بعد عرضهم على النار غدواً وعشيّاً.

فإذا ثبت أن الموت ليس انعداماً وإنّما هو حياة، فهل يمكن الاتصال بالميت أم لا يمكن؟ بدعوى أن حياة البرزخ مانعة من الاتصال به.

والجواب : قد جاء في القرآن الكريم ـ مضافاً إلى ما ورد في السنّة الشريفة ـ ممّا يدل على إمكان اتصال الإنسان الموجود في الدنيا بالإنسان الحي في عالم البرزخ، ومن تلك النصوص ما يلي:

1 ـ في دعوة النبي صالح قومه إلى عبادة الله، وأمره بأن لا يمسوا معجزته ـ وهي الناقة ـ بسوء، وبعد أن عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم قال تعالى: (فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين* فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربّي ونصحت لكم ولكن لا تحبّون الناصحين)[62].

فنرى أن الله يخبر على وجه القطع والبت بأن الرجفة أهلكت اُمة صالح(عليه السلام) فأصبحوا في دارهم جاثمين، وبعد ذلك يخبر أن النبي صالحاً تولى عنهم ثم خاطبهم قائلاً: (لقد أبلغتكم رسالة ربّي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين)[63].

والخطاب صدر من صالح(عليه السلام) لقومه بعد هلاكهم وموتهم، بشهادة قوله (فتولّى) المصدرة بالفاء المشعرة بصدور الخطاب عقيب هلاك القوم.

2 ـ والنبي شعيب(عليه السلام) قد خاطب قومه بعد هلاكهم لقوله تعالى: (فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين)[64].

وخطاب النبي شعيب(عليه السلام) لقومه قد صدر بعد هلاكهم، فهذا يؤكد امكانية الاتصال بهم. فلو لم يكن الهالكون بسبب الرجفة سامعين خطاب صالح وشعيب فما معنى خطابهما إياهم؟

ولا يصح أن يفسر ذلك بأنه خطاب تأسف لأنه خلاف الظاهر وغير صحيح حسب الاُصول التفسيرية.

أما الأحاديث الشريفة التي تشير إلى امكان الارتباط بالأرواح، فمنها:

1 ـ ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنه وقف على قليب (بدر) وخاطب المشركين الذين قتلوا واُلقيت جثثهم في القليب.

عن أنس بن مالك، قال: سمع أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)رسول الله(صلى الله عليه وآله) من جوف الليل وهو يقول: يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا اُمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام فعدد من كان منهم في القليب: هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً؟ فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادي قوماً قد جيفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني[65] .

2 ـ إن المسلمين ـ على اختلاف مذاهبهم ـ يسلمون على رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الصلاة عند ختامها فيقولون: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»، وإن سنة رسول الله ثابتة له في حياته وبعد مماته، فلا انقطاع لصلاتنا وعلاقتنا بالنبي(صلى الله عليه وآله) .

فهذا السلام يدل على امكان الارتباط بروحه(صلى الله عليه وآله) لا بل تحتّم وقوعه .

3 ـ وجاء عنه(صلى الله عليه وآله): «من زارني بعد وفاتي وسلّم عليّ رددت عليه السلام عشراً، وزاره عشرة من الملائكة يسلّمون عليه، ومن سلّم عليّ في بيت ردّ الله عليّ روحي حتى اُسلم عليه»[66]

4 ـ وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي...»[67].

وإذا ثبت امكان الاتصال بالإنسان الموجود في حياة البرزخ، فهل يجوز الطلب منه والتوسل إليه بقضاء الحوائج، أم أنّ ذلك شرك بالله بدليل قوله تعالى: (إن الأمر كلّه لله)[68]؟

والجواب: إنّ الأمر كله لله وبارادته، وبرضاه تحدث الاُمور، إلاّ أن ذلك لا ينافي ثبوت الشفاعة للأنبياء والأولياء في الدنيا والآخرة بعد الإذن من الله، كما يلاحظ ذلك في ثبوت الخلق وإحياء الموتى وشفاء المرضى لعيسى(عليه السلام) بعد الإذن من الله سبحانه.

ولما كانت الأشياء تجري على وفق قانون السببية نجد موسى(عليه السلام) يقول: (قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب اُخرى)[69].

فالأنبياء مع عصمتهم قد استعانوا بغير الله حتى نزل في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله)قوله:( يا أيّها النبيّ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)[70].

ومقتضى ظاهر الآية كون النبي مستمداً من الله ومن المؤمنين كاستمداد عيسى(عليه السلام)بالحواريين حيث قال: (مَن أنصاري الى الله)[71] وكاستمداد موسى(عليه السلام) بأخيه هارون وقد أجابه سبحانه بقوله: (سنشد عضدك بأخيك)[72]،[73].

ثم نجد الله سبحانه قد استنصر عباده بقوله: (إن تنصروا الله ينصركم)[74] وقوله تعالى: (والذين آووا ونصروا اُولئك هم المؤمنون)[75].

فلو اعترفنا بأن الاستعانة والتوسل بغير الله جائز لأنه بإذنه وبارادته لا مستقلاً عنها، فما هو وجه الاستعانة بالميت، مع أن الثابت هو الاستعانة بالنبي أو الولي في حياته لا في مماته؟

إنّ الصحابة لم ينكروا التوسل بالنبي حال حياته وبعد وفاته.

التوسّل بالأنبياء والصالحين بعد موتهم

ومن سيرة المسلمين التوسل بالنبي بعد وفاته(صلى الله عليه وآله).

1 ـ جاء في مسند أحمد:

«اللهمّ إني أسألك بحقّ السائلين عليك وبحقّ ممشاي هذا، فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً و لا سمعة، خرجت إتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت»[76].

في هذا الحديث دلالة واضحة على جواز التّوسل بالصالحين أنفسهم، وليس بدعائهم، وانّه لفظ عام يستوعب كل السائلين من لدن آدم(عليه السلام) الى يوم السائل بل يستوعب الملائكة ومؤمني الجن أيضاً، ولا يمكن حصره بالسائلين هذا اليوم أو من الأحياء، إذ لا دليل على هذا بحمل الحديث، ولا مخصّص له من خارجه أيضاً.[77]

2 ـ جاء في النسائي والترمذي:

«اللهمّ إنّي أسألك وأتوسّل إليك بنبيّك نبي الرحمة، يا محمّد يا رسول الله إنّي أتوسل بك الى ربّي في حاجتي ليقضيها لي، اللهمّ فشفّعه فيَّ».

فهذا من الأدعية التي يتوسل بها المسلمون بالنبي(صلى الله عليه وآله) بعد مماته.

مناقشة ابن تيمية في توجيهه لهذا الدعاء

وقع الخلاف من قبل ابن تيمية ومقلديه من سلفية ووهابية في مسألة التوسل بالأنبياء والصالحين بعد موتهم، حيث يذهب هو الى عدم جواز التوسّل بالموتى، وإليك كلامه ثم المناقشة فيه:

ليس في التوسّل دعاء بالمخلوقين، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنّما هو دعاء واستغاثة بالله، لكن فيه سؤال بجاهه، كما في سنن ابن ماجة، عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أن يقول: «اللهمّ إنّي أسألك بحقِّ السائلين عليك... الحديث»، ففي هذا الحديث أنّه سأل بحقِّ السائلين عليه.. والله تعالى قد جعل على نفسه حقّاً.. (الى أن قال) وقالت طائفة: ليس في هذا جواز التوسّل به بعد مماته وفي مغيبه، بل إنّما فيه التوسّل في حياته بحضوره..

ثم أخذ ينتصر لهذا الرأي الأخير، قائلاً: وذلك التوسّل به أنّهم كانوا يسألونه أن يدعو لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، ويتوسّلون بشفاعته ودعائه، ومثّل لذلك بحديث الاعرابي: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل فادعُ الله لنا أن يمسكها عنّا.

قال: فهذا كان توسُّلهم به في الاستسقاء ونحوه، ولمّا مات رسول الله(صلى الله عليه وآله)توسَّلوا بالعبّاس(رضي الله عنه) .. وكذلك معاوية بن أبي سفيان، استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي، وقال: اللّهمّ إنّا نستشفع إليك بخيارنا، يا يزيد ارفع يديك الى الله...

ثمّ ختم بقوله: ولم يذكر أحد من العلماء أنّه يشرع التوسّل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبّوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا غير ذلك من الأدعية، والدعاء مخُّ العبادة[78].

والخلط والتمويه والتناقض واضح في أكثر من موضع، من هذا الكلام نبدأ بالكشف عنه قبل تقديم الأدلّة على المطلوب.

1 ـ قد خلط بين التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله) وبين التوسّل بالجاه، فالفرق واضح بين قولك: «يا محمّد، يا رسول الله إنّي أتوجّه بك الى الله» وبين أن تقول: «اللهمّ بحقّ السائلين عليك» أو «اللهمّ بحق محمد(صلى الله عليه وآله)» فالأوّل توجّه وتوسّل به، والثاني توجه وتوسّل بحقّه وجاهه ومنزلته، فهذان نوعان من التوسّل بالأنبياء والصالحين يدخلان في هذا القسم، وقد حمل ابن تيمية الأوّل على الثاني، وهو حمل غير صحيح.

2 ـ خلط هنا كما خلط من قبل بين التوجّه بالنبي(صلى الله عليه وآله) وبين طلب الدعاء منه، والفارق واضح، ولا يخفى أنّه صنع هذا تمويهاً، ليس إلاّ، ولذلك تراه عندما استدلّ بحديث الاعرابي أتى بفقرة منه وترك قوله الذي قدّمناه آنفاً: «يا رسول الله إنّا نستشفع بك على الله» الذي أقرّه النبي(صلى الله عليه وآله) .

3 ـ ناقض نفسه في النقل عن العلماء، ثمّ لجأ الى تقسيم الدعاء الى استسقاء وغيره تمويهاً على الأذهان لا غير، لأنه عاد فجمع كل أصناف الدعاء (ولا استحبّوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا في غير ذلك من الأدعية).

فقد نقل أوّلاً عن العلماء قولهم بجواز التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله) في حياته وبعد مماته، ثمّ عاد يقول: ولم يذكر أحد من العلماء أنّه يشرع التوسّل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته!!

ونأتي هنا على ما ينقض دعواه هذه بأدلّة أقرّ هو بصحة بعضها، ولم يذكر البعض الآخر بإثبات أو نفي.

أثبتنا ونؤكد أنّ ابن تيمية لم يجد نصّاً يستفيد منه النهي عن التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله)، فطفق يحمِّل بعض النصوص ما لا تحتمل، وسنراه هنا كيف يدير ظهره لنصٍّ ثبتت صحّته لديه بنحو لا غبار عليه:

إنّه ينقل بطرق يعرف صحّتها عن الصحابي الجليل عثمان بن حنيف أنّه يعلّم الناس التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله) في عهد عثمان بن عفّان، ثم يشفِّعه بأخبار مماثلة عن السلف.

يقول: روى البيهقي أنّ رجلاً كان يختلف الى عثمان بن عفّان في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي الرجل عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: إئتِ الميضأة فتوضأ، ثم ائتِ المسجد فصلِّ ركعتين، ثمّ قال: «اللهمّ إنّي اسألك وأتوجّه إليك بنبيِّنا محمّد نبيِّ الرحمة، يا محمّد، إنّي أتوجّه بك الى ربّي ليقضي لي حاجتي»، ثم اذكر حاجتك، ثم رح حتى أروح معك.

فانطلق الرجل، فصنع ذلك، ثمّ أتى بعدُ عثمان بن عفّان، فجاء البوّاب فأخذ بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: انظر ما كانت لك من حاجة، فذكر حاجته فقضاها له.

ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان لينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتى كلَّمْتَهُ فيَّ. فقال عثمان بن حنيف: ما كلّمته، ولكن سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)وقد جاءه ضرير وشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله)«أوَتصبر» ثم ذكر الحديث المتقدّم.

قال البيهقي ـ والكلام ما زال لابن تيمية ـ : ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله، ورواه أيضاً هشام الدستوائي، عن أبي جعفر، عن أبي اُمامة بن سهل، عن عمّه عثمان بن حنيف، ثم ذكر ابن تيمية لهذا الحديث أسانيد كثيرة، وصحّحها الى أن قال:

وروي في ذلك أثر عن بعض السلف، مثل ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب (مجاني الدعاء) باسناده: جاء رجل الى عبدالملك بن سعيد بن أبجر، فجسّ بطنه فقال: بك داء لا يبرأ.

فقال الرجل: ماهو؟

قال: الدُبَيْلَة[79]!

فتحوّل الرجل، وقال: الله، الله، الله ربّي لا اُشرك به شيئاً، اللهمّ إنّي أتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة صلّى الله عليه وسلّم تسليماً، يا محمّد، إنّي أتوجه بك الى ربّك وربّي يرحمني ممّا بي.

قال: فجسّ بطنه، فقال: برئتَ، ما بك علّة..

أضاف ابن تيمية قائلاً: فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنّه دعا به السلف، ونُقل عن أحمد بن حنبل في (منسك المروزي) التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله) في الدعاء[80].

هكذا يشهد على بطلان رأيه، وبطلان دعواه السابقة في أنّه لم ينقل عن أحد من السلف التوسّل به(صلى الله عليه وآله) بعد موته، هذه الدعوى التي أصرّ عليها، وصدّر بها لكتابه (التوسّل والوسيلة)[81].

وبهذا يثبت أنّه لم يكن على شيء في ما ذهب إليه، غير اصرار على رأي باطل تشهد الأدلّة الثابتة على بطلانه.

والحقُّ أن الذي ثبت عن السلف أكثر من ذلك بكثير، ولم يقتصروا على التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله)بعد مماته، بل توسّلوا بغيره ممّن يرون فيه الصلاح ويعتقدون بأنّ له عند الله جاهاً وشفاعة[82].

خلاصة البحث

 إن الموت ليس من العدم، وان الاتصال بالحياة البرزخية واقع فعلاً، وإن سيرة المسلمين قديماً وحديثاً جارية على التوسل بالأنبياء والأولياء أحياءً وأمواتاً، بلا فرق بين الذات والدعاء، فيتعين صحة الرأي القائل بجواز التوسل، ويثبت بطلان القائل بالحرمة والمنع.

كما أن الوسائل التي يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه لا تخضع للاجتهاد، وإنما تصدت لها الشريعة وحددتها .

ويمكن الحصول عليها من مظانّها، وكل وسيلة خارج هذا الإطار فهي من البدع والضلال.

ـــــــــــــــ

[1] المائدة : 35.

[2] رحضه ـ كمنعه ـ : غسله.

[3] نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح : الخطبة 110 / 163.

[4] النساء : 64.

[5] آل عمران: 169.

[6] تفسير ابن كثير 1/532.

[7] لسان العرب لابن منظور جزء 11 مادة وسل.

[8] التوسل في الشريعة الاسلامية، جعفر السبحاني: 17.

[9] تفسير ابن كثير : 1/532.

[10] البشارة والاتحاف للسقاف : 52 نقلاً عن شرح الطحاوية : 60.

[11] يونس : 62.

[12] كشف الشبهات لمحمد عبدالوهاب : 60.

[13] مخالفة الوهابية للقرآن والسنّة لعمر عبدالسلام : 20، نقلاً عن العقيدة الصحيحة ونواقض الاسلام لعبد العزيز بن عبدالله بن باز .

[14] تحفة الذاكرين للشوكانى: 37.

[15] وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى للسمهودي: 2/1374.

[16] التوسل والوسيلة: لابن تيمية : 144 ـ 145 ط دار الآفاق سنة 1399 هـ .

[17] تاريخ بغداد : 1/123 باب ما ذكر فى مقابر بغداد.

[18] تاريخ بغداد : 1/120 باب ما ذكر فى مقابر بغداد.

[19] البراهين الجلية في دفع تشكيكات الوهابية، السيد محمد حسن القزويني الحائري: 30.

[20] انظر التوسل والوسيلة: 13، 20، 50.

[21] آل عمران : 49.

[22] يوسف : 97.

[23] يوسف : 98.

[24] النساء : 64.

[25] انظر: مخالفة الوهابية: 22، عمر عبدالسلام.

[26] انظر التوسل للسبحانى من 21 ـ 67.

[27] الأعراف: 180.

[28] البقرة : 127 ـ 128.

[29] آل عمران: 16.

[30] النور : 63.

[31] الأنفال : 33.

[32] التوبة: 94.

[33] التوبة: 74.

[34] النساء: 64.

[35] المنافقون: 5.

[36] الحشر : 10.

[37] الانشراح: 4.

[38] الأعراف: 157.

[39] راجع الترمذي، كتاب الدعوات، الباب 119 برقم 3578 : 5 / 531 وسنن ابن ماجة 1 / 441 برقم 1385. ومسند أحمد: 4/138 ح 16789.

[40] صحيح مسلم بشرح النووي: 1/230 و 231 و 232.

[41] سنن ابن ماجة: 1 / 441 الحديث 1385 ومسند أحمد: 4 / 138 ح 16789 ومستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري: 1 / 313 والجامع الصغير للسيوطي: 59 ومنهاج الجامع: 1 / 286.

[42] التوسل للسبحاني: 69، نقلاً عن التوصل الى حقيقة التوسل للرفاعي: 158.

[43] سنن الترمذي : 5 / 531 ح 3578، السنن الكبرى للنسائي: 6، 169، ح 10495.

[44] سنن ابن ماجة: 1/256 الحديث 778 باب المشى الى الصلاة.

[45] كشف الارتياب: 312، نقلاً عن وفاء الوفاء والدرر السنّية : 8 .

[46] الدرر السنية : 27، والتوصل الى حقيقة التوسل: 300، فتح الباري: 7/137 .

[47] الدرر السنّية فى الرد على الوهابية: 36.

[48] وفاء الوفاء للسمهودي: 2/1361.

[49] مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية : 1/18.

[50] صحيح البخاري: باب صلاة الاستسقاء : 2/32 الحديث 947.

[51] عن وفاء الوفاء للسمهودي: 2/1376.

[52] الصواعق المحرقة: 274.

[53] المائدة: 35.

[54] بحار الأنوار: ج93 كتاب الذكر والدعاء باب 17 ح 19.

[55] بحار الأنوار:ج 94، ب 28.

[56] الصحيفة العلوية للسماهيجي: 51.

[57] اقبال الأعمال لابن طاووس: 2 / 85 .

[58] الصحيفة السجادية : دعاء رقم 44.

[59] راجع منهاج السنة، لابن تيمية.

[60] مريم: 62 .

[61] غافر: 46.

[62] الأعراف: 78 ـ 79.

[63] الاعراف: 93 .

[64] الأعراف: 93 .

[65] صحيح البخاري : 5/76 وسيرة ابن هشام: 2/639.

[66] راجع سنن أبى داود: 2/218، كنز العمال : 10/38 طبقات الشافعية للسبكي: 3/406 ـ 408.

[67] كنز العمال : 5/135، ح 12372.

[68] آل عمران: 154.

[69] طه : 18 .

[70] الأنفال : 64 .

[71] آل عمران : 52 .

[72] القصص : 35 .

[73] انظر البراهين الجلية للسيد محمد القزويني: 42.

[74] محمد : 7 .

[75] الأنفال : 74 .

[76] مسند أحمد: 3/21، وسنن ابن ماجة: 1/356.

[77] الزيارة والتوسل، صائب عبدالحميد: 142.

[78] زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور: 37 ـ 43.

[79] الدُبَيلَة: دُمّل كبار تظهر في الجوف وتقتل صاحبها غالباً.

[80] انظر التوسّل والوسيلة: 97، 98، 101 ـ 103.

[81] التوسّل والوسيلة: 18.

[82] راجع الزيارة والتوسل، صائب عبدالحميد : 148 ـ 152، اصدار مركز الرسالة.